سجل الزوار | إدارة الصحيفة | | القائمة البريدية | راسلنا 
صحيفة الديرة للاخبار الشاملة والمنوعة
أتصل بنا الأربعاء 22 مايو 2013

جديد المقالات
جديد الأخبار

دية العفو
08-01-2012 11:33 PM



منذ فترة بدأت تطفو على السطح ظاهرة العفو مقابل المال في قضايا القتل المتعمد، فأصبحنا نقرأ الاعلانات والأخبار وتصلنا النداءات عبر مختلف الوسائل من أجل جمع مبلغ ضخم لعتق رقبة فلان، ولا يمضي وقت حتى يظهر نداء جديد لشخص آخر ينتظر تبرعات المحسنين لعتق رقبته، ثم ما لبثت هذه المبالغ أن ارتفعت حتى وصلت إلى عشرات الملايين من الريالات استخدمت لجمعها وسيلة العزف على اوتار العاطفة الدينية والإنسانية. ولا أرى شيئا كهذا إلا استهانة بحدود الله، وتعطيلا لحكمته التي وضعها لحفظ الدماء وحماية الحرمات، فأصبح الأمر كالتجارة لأهل القتيل الذين يصرفون تفكيرهم إلى متاع الحياة الزائل متناسين أنهم يطلبونه بدم قتيلهم الذي يفترض أن يقُتص له إلا إن أرادوا العفو قربة إلى الله وطمعا فيما عنده من الأجر والثواب.

فإذا كانت الحدود يمكن تعطيلها على هذا النحو المخيف الذي يجعل دم المقتول عرضة للتجارة، فلا ينفذ شرع الله بقتل الجاني ولا يحصل العفو طمعا في المثوبة، فإن ذلك سيكون مدعاة إلى اجتراء المجرمين على دماء الناس وأعراضهم على افتراض أنهم سيحصلون فيما بعد على العفو مقابل ما يمكن جمعه من الناس لدفع الدية الباهظة لأهل المقتول والتي ستكون كافية لفتح شهيتهم بما يضمن العفو عن القاتل. وهكذا يعود الجاني طليقا ليكرر جرائمه، وتموت الإنسانية في قلب أهل المجني عليه بعدما يطيب لهم أن يستمتعوا بمقابل دمه.

لقد أمر الله بإقامة الحدود لردع من تسول له نفسه ترويع الآمنين أو التعدي على أنفسهم أو حرماتهم أو أعراضهم، وللأخذ بثأر القتيل الذي أزهقت روحه ظلما وعدوانا في لحظة وصلت فيها نفس القاتل إلى أدنى مستويات الضعف لكيد إبليس لا من أجل المتاجرة بها.

وغني عن القول ما يحدث لتلك الملايين الطائلة التي يتم جمعها تحت نداء "عتق رقبة" وإلى أين يمكن أن تذهب في حالة انتهاء مدة توفيرها قبل موعد القصاص دون وصولها إلى الرقم المطلوب، فضلا عن كون دعوتها مفتوحة بحيث لا يمكن لأي متبرع أن يعلم تحديدا إلى أي مبلغ وصلت، كما لا يمكن معرفة إن كان من يقوم بجمعها صاحب أمانة أم مجرد مستفيد ومشارك في الصفقة !

إنني لا أدعو إلى تعطيل العفو والشفاعة فذلك أمر قد أجازه الشرع لمن أراد، فهناك أشخاص يستحقون أن يمنحوا فرصة جديدة لبدء حياتهم مجددا بعدما وجدوا أنفسهم وقد أصبحوا قتلة مابين ليلة وضحاها، لكني أدعو إلى محاربة التجارة بدماء المقتولين وإن كانت تتم برضى أو رغبة ذويهم، فذلك إنما يتعارض مع الطبيعة الإنسانية السوية، وينشر الجشع الدموي، ويستنزف أموال الناس بصورة فجة وكريهة.

وربما من الضروري أن يعمل الدعاة والمصلحون على تنبيه الناس بأمر كهذا، وتوعية أسرة صاحب الدم بثواب العفو طمعا في ثواب الله ومغفرته بدلا من أن يكونوا طرفا في بيع دم القتيل بعرض من الدنيا، فذلك أفضل وأوجب من طلب المال الذي يزول ويفنى. كما أرجو أن تقرر الجهات المسؤولة حد أعلى للمبالغ التي تطلب مقابل العفو حتى لا يهون أمر القتل في نفوس الناس ولا يعمي الطمع نفوس أهل القتيل.




نجاة المرزوقي - مستشار تحكيم دولي

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 574


خدمات المحتوى


نجاة المرزوقي
نجاة المرزوقي

تقييم
9.50/10 (4 صوت)